الساهر النائم
12-04-2008, 03:21 AM
أنا رجل متزوج. أقدّر أن عهدي بالزواج قديم، فقد التقيت على متن السفينة التي أقلتني، مع خارجين غيري من مدينة الحرب والحصار، فتاة تمردت على أهلها ووقعت، مثلي، في اغواء كتب تتحدث عن تغيير العالم القديم الفاسد بعالم جديد يتساوى فيه الناس جميعا. بعد أن حطت بنا السفينة في جزيرة ''الشمس'' تزوجنا، بسرعة، وعشنا بانسجام وتفاهم بعد ذلك. ولكن رغم يقيني أنني متزوج أشعر، أحيانا، أو أحلم، أني ما أزال عازبا. أرى نفسي شابا بشعر طويل وشاربين متهدلين وبنطول شارلستون يقلِّبُ راديو بحجم راحة كف كبيرة بحثا عن تلك الأغاني التي تقطع نياط القلوب وكانت شائعة في السبعينيات. ولكن هذا الاحساس، أو الحلم، المضلل لا يدوم طويلا، ثم أنني رجل مخلص لزوجتي. قد يزعزعني الجمال، قد أُستثار، وقد أبكي. ولكن ذلك، أيضا، لا يدوم طويلا. وكنت أظن أن زوجتي لا تشك، قط، بإخلاصي، إلى أن حدث ما يصعب تصديقه.
عندما كنت أقيم في المدينة الرمادية والحمراء دعانا، زوجتي وأنا، صديق وزوجته يقيمان في بلدة صغيرة بمقاطعة ريفية لنقضي معهما عطلة نهاية الأسبوع. استقللنا قطارا عبر بنا أنفاقا طويلة مظلمة، ومراعي خضراء قاتمة الخضرة، ورأينا أبقاراً لا ترفع رأسها عن الأرض وغيوما ثقيلة رازحة وخيولا تشبه البغال مجللة بالبطانيات. الناس في تلك البلاد، لا يستقبلون بعضهم بعضا في المحطات أو المطارات كما يفعلون في بلادنا. لذلك لم يكن غريبا أن يزودني الصديق بعنوان بيته. لم يكن بيته بعيدا عن المحطة، ربع ساعة مشيا على الأقدم أو أقل. في الشارع الطويل الذي تصطف على جانبيه بيوت متلاصقة ذات شكل موحد، يعلوها قرميد أحمر، انحنت زوجتي، فجأة، والتقطت ورقة من الأرض. لا أدري ما الذي جعلها تفعل ذلك، فهي لا تنظر مليِّا الى الأرض مثلي، استمرارا لعادة قديمة، بحثا عن أشياء تسقط، سهوا، من جيوب العابرين. لا بدَّ أنه سوء حظي هو الذي دفعها لالتقاط تلك الورقة من الأرض. الورقة قديمة. هذا واضح من شكلها وتجاعيدها وورقها المسطر. لاحظت أن زلزلة عميقة وصامتة ألمت بزوجتي بعد أن فتحتها وقرأت أسطرا منها، ثم أدركتُ، عندما نظرتْ إليَّ من طرف عينها، أنها تتعلق بي. قلت لها: ''ما الأمر؟''، فلم تقل شيئا. ودفعت بالورقة إليّ. كان واضحا، من دون عناء، أن الخط يشبه خطي الذي يقلد، بلا وعي، خطا آخر أعرفه جيدا، وأن الاسم الذي يتصدرها معروف لي ولها. كانت، مثلما تخيلتم بالضبط، رسالة حبّ كتبُتها لا أدري أين ومتى إلى فتاة تدعى ''رلى''. الخط يشبه خط يدي إلى حد بعيد. واسم الفتاة (أصبحت سيدة الآن) تعرفه زوجتي، فأنا لست رجلا كتوما، وإحدى نقاط ضعفي هي الذكريات التي أسهب في الحديث عنها كلما ضاقت الدنيا في وجهي.
ولكن كيف حدث أن رسالة ''كتبُتها'' إلى ''حبي الأول''، قبل فراري من بلادي، قد وصلت إلى هذا الطرف من العالم؟.
ماذا بشأن التاريخ؟ إنه حديث نسبيا، بينما انتهت علاقتي بتلك الفتاة منذ أكثر من عشرين سنة. لكن الأغرب من ذلك أن الرسالة تقتبس قصيدة قصيرة موزونة بعنوان ''سيدة المدينة'' من كتابي ''جاءت التي'' تتضمن إشارات واضحة إليها، وأنا لم أكن قد أصدرت، أثناء غرامي بـ''رلى''، كتابا بعد، بل إن كتابي ''جاءت التي'' لا يتضمن قصيدة موزونة واحدة؟ فقد أقلعت، بعد فراري من بلادي، عن كتابة الشعر الموزون وصرت من الدعاة المتطرفين، فترة قصيرة لحسن الحظ، لما سمي ''النص المفتوح'' قبل أن أكتشف تهافته وتهافت كاتبيه.
لم تقتنع زوجتي، التي حافظت على رباطة جأشها، بالحجج التي سقتها، بالبراهين التي رحتُ أبسطها: أولا عن عدم وجود توقيع على الرسالة، ثانيا: عن إمكانية تشابه الأسماء والخطوط، ثالثا: أن كتابي ''جاءت التي'' لا يتضمن قصيدة بعنوان ''سيدة المدينة''. ثم لنفترض أن تلك القصيدة لي، لكنها ليست دليلا على أنني كاتب الرسالة، فمن حق الناس أن تقتبس قصيدة حتى لو كانت لشاعر مغمور.
فكّرت زوجتي، وهذا لم تقله لي، لكن الأزواج يتوصلون بعد وقت طويل من العشرة الى معرفة أفكار بعضهم بعضاً حتى وهي تتخلق في الذهن، فكَّرت في احتمال أن تكون الفتاة (السيدة الآن) قد انتقلت للعيش في المدينة الرمادية والحمراء. ثم عرفتُ أن تفكيري كان في محله تماما. فقد أخبرني أحد أصدقائي القدامى في ''الحامية''، أن عفوا عاما صدر عن المحكومين الفارين، وأنني أستطيع العودة متى شئت، فقلت له إنني قرأت ذلك في الصحف، لكنه قبل أن ينهي مكالمته أخبرني، سريعا، أن زوجتي اتصلت بهم، وسألت عن أخبارهم.. ومن جملة ذلك سألت عن الفتاة (السيدة الآن) وأين تقيم.
أسقط في يد زوجتي عندما علمت أن الفتاة (السيدة الآن) لم تغادر البلد قط، وأن لها، في ذلك المكان الذي يسوطه الحر والغبار من كل جانب، ثلاثة أو أربعة أبناء. قد يخطر ببالكم أن تتساءلوا كيف مضت عطلة نهاية الاسبوع الكئيب ذاك عند أصدقائنا في البلدة الريفية الخضراء. سأقول إنها مضت بالتي هي أحسن، كما يقولون. طبعا، بعد ذلك لاحظت أن أوراقي المكوَّمة على طاولة مكتبي لم تعد بالنظام الذي كانت عليه، وأن جيوب ثيابي مقلوبة دائما، وأن أذنا باتساع صحن فضائي لاقط تسترق السمع إلي عندما أكلم أحدا (خصوصا بلغتنا) على الهاتف.
لا يمكن للمرء أن يكون سيئ الحظ دائما، فهذا ضد طبيعة الأشياء. حتى الشخص الذي يسمونه ''شرارة''، وهو نموذج للتطير وسوء الحظ، قد صادف حظا حسنا بعض المرات. ومن محاسن الصدف أننا كنا، زوجتي وأنا، نستمع الى محطة اذاعية رصينة (ونحن نشترك معا بعلاقة وطيدة مع الراديو ونعدّه بعد الكتاب، صديقا وفيا للحظات الضجر)، فكان هناك برنامج يتحدث عن كيف يمكن للأوراق، الكتب، الساعات، الأقلام التي تخلص منها المرء، أو فقدها، في لحظة معينة، أن تعود إليه.
جاء موضوع البرنامج على الوجع، فقد تخوّفتُ منه الى درجة حاولتُ تغيير المحطة. كنت أخشى أن تعزز اكتشافاته شهادات الاثبات ضدي. لكن زوجتي التي حدست فكرتي، أصرت على أن نستمع اليه حتى النهاية. كان المذيع يستضيف سيدة عجوزا. قال المذيع للسيدة العجوز (ويبدو أنه أراها شيئا ما سمعنا خشخشته التي تشبه احتكاك أوراق): ''هل هذا خط يدك؟''. استغرق الأمر بعض الوقت حتى قالت العجوز: ''نعم، إنه خطي''. فقال المذيع: ''إنني أعرض عليك صفحات، لا على التعيين، ولكن هل يمكن لك أن تتذكري متى وأين كتبت هذه الصفحات؟''.
ساد صمت مرة أخرى. ثم قالت السيدة العجوز بما يشبه الشهقة: ''يا الله.. هذا أمر قديم. قديم. مضى عليه، ربما، نصف قرن!''.
عرفنا من الحديث الذي دار بين المذيع والسيدة العجوز أن الصفحات التي عرضها عليها مقتطعة من دفتر يوميات كتبتها عندما كانت على علاقة غرامية بأحد رجال المقاومة في بلد مجاور لبلدها خضع، ذات يوم، لاحتلال شرس. كانت شابة في العشرينيات من عمرها، فتنت بالقائد الميداني للمدينة التي كانت تدرس فيها. لم تغادر المدينة، بعد وقوعها في براثن الاحتلال، اسوة بطلاب أجانب كانوا يدرسون هناك، وبقيت الى جانب الرجل المقاوم. ولكن العواطف التي تنشأ في مثل هذه الحالات لا تبقى، كما يبدو، على حالها. اندحر الاحتلال عن ذلك البلد وأصبح القائد الميداني رجل مجتمع شهيرا بعد ذيوع بطولاته في مواجهة الاحتلال.
عادت الشابة الى بلادها لترتيب أمر انتقالها للعيش نهائيا معه، لكن المقاوم، الذي أصبح رجل مجتمع شهيرا، بعث إليها رسالة بعد وقت قصير من عودتها لبلادها، يخبرها أنه له، الآن، علاقة بفتاة أخرى: ''آسف. علاقتنا كانت أقرب الى التضامن الانساني والسياسي منها إلى الحبِّ''. هكذا قال. كان وقع الرسالة شديدا عليها بحيث عمدت إلى تمزيق دفتر يومياتها نصفين ورمته في سلة المهملات.
لم نعرف الآلام التي عصفت بقلبها الشاب. فهي لم تتحدث عن ذلك، ولا أظن أنه بقي منها شيء بعد خمسين سنة على اندمال الجرح، لكننا عرفنا كيف عادت إليها الذكرى. إنه دفتر اليوميات هذا الذي عثر عليه معدو البرنامج الذين يستيعدون لحظات منسية أو مفقودة، قد لا تكون مرغوبة، الى أصحابها.
في أسواق الأغراض المستعملة، الشائعة في تلك البلاد، يرى مرتادوها، مثلي، مقتنيات شخصية، كالصور والرسائل ودفاتر اليوميات وأوسمة الحروب الكونية، تثير الاستغراب، في الأقل، استغراب واحد مثلي يعتقد أن هذه المقتنيات شخصية وحميمة ولا يجدر بها أن تنتهي الى هذا الحد من الانتهاك والمهانة. في سوق كهذه عثر معدو البرنامج على دفتر يوميات السيدة العجوز، واهتدوا إليها من العنوان السكني المكتوب على صفحة غلافه الداخلي. وهذا ليس عجيبا. فالناس، هناك، يمكن أن تولد وتموت في بيت لا يتغير عنوانه، وفي حي لا تتغير شوارعه الطويلة التي تصطف البيوت على جانبيه. حتى الأشجار لا تقلع أو تتبدل إلاَّ عندما تهوي بها عاصفة أو تنخرها حشرات قاتلة، يقولون إن بعضها قادم مع سفن المهاجرين.
قال مذيع البرنامج في ختام حلقته لصاحبة اليوميات المستعادة من وهدة النسيان: ''ماذا ستفعلين بهذا الدفتر؟''.
فردت السيدة العجوز بنبرة ساخرة تميز طبع أهل بلادها: ''سأقرأها.. وسألقيها، على الأغلب، في سلة المهملات ثانية!''.
لم يكن هناك وجه شبه بين ''رسالتي'' التي عثرت عليها زوجتي وبين دفتر يوميات السيدة العجوز. لكن الحكاية كان لها مفعول السحرعليها. فلم تعد إلى ذكر الرسالة مرة أخرى.
عندما كنت أقيم في المدينة الرمادية والحمراء دعانا، زوجتي وأنا، صديق وزوجته يقيمان في بلدة صغيرة بمقاطعة ريفية لنقضي معهما عطلة نهاية الأسبوع. استقللنا قطارا عبر بنا أنفاقا طويلة مظلمة، ومراعي خضراء قاتمة الخضرة، ورأينا أبقاراً لا ترفع رأسها عن الأرض وغيوما ثقيلة رازحة وخيولا تشبه البغال مجللة بالبطانيات. الناس في تلك البلاد، لا يستقبلون بعضهم بعضا في المحطات أو المطارات كما يفعلون في بلادنا. لذلك لم يكن غريبا أن يزودني الصديق بعنوان بيته. لم يكن بيته بعيدا عن المحطة، ربع ساعة مشيا على الأقدم أو أقل. في الشارع الطويل الذي تصطف على جانبيه بيوت متلاصقة ذات شكل موحد، يعلوها قرميد أحمر، انحنت زوجتي، فجأة، والتقطت ورقة من الأرض. لا أدري ما الذي جعلها تفعل ذلك، فهي لا تنظر مليِّا الى الأرض مثلي، استمرارا لعادة قديمة، بحثا عن أشياء تسقط، سهوا، من جيوب العابرين. لا بدَّ أنه سوء حظي هو الذي دفعها لالتقاط تلك الورقة من الأرض. الورقة قديمة. هذا واضح من شكلها وتجاعيدها وورقها المسطر. لاحظت أن زلزلة عميقة وصامتة ألمت بزوجتي بعد أن فتحتها وقرأت أسطرا منها، ثم أدركتُ، عندما نظرتْ إليَّ من طرف عينها، أنها تتعلق بي. قلت لها: ''ما الأمر؟''، فلم تقل شيئا. ودفعت بالورقة إليّ. كان واضحا، من دون عناء، أن الخط يشبه خطي الذي يقلد، بلا وعي، خطا آخر أعرفه جيدا، وأن الاسم الذي يتصدرها معروف لي ولها. كانت، مثلما تخيلتم بالضبط، رسالة حبّ كتبُتها لا أدري أين ومتى إلى فتاة تدعى ''رلى''. الخط يشبه خط يدي إلى حد بعيد. واسم الفتاة (أصبحت سيدة الآن) تعرفه زوجتي، فأنا لست رجلا كتوما، وإحدى نقاط ضعفي هي الذكريات التي أسهب في الحديث عنها كلما ضاقت الدنيا في وجهي.
ولكن كيف حدث أن رسالة ''كتبُتها'' إلى ''حبي الأول''، قبل فراري من بلادي، قد وصلت إلى هذا الطرف من العالم؟.
ماذا بشأن التاريخ؟ إنه حديث نسبيا، بينما انتهت علاقتي بتلك الفتاة منذ أكثر من عشرين سنة. لكن الأغرب من ذلك أن الرسالة تقتبس قصيدة قصيرة موزونة بعنوان ''سيدة المدينة'' من كتابي ''جاءت التي'' تتضمن إشارات واضحة إليها، وأنا لم أكن قد أصدرت، أثناء غرامي بـ''رلى''، كتابا بعد، بل إن كتابي ''جاءت التي'' لا يتضمن قصيدة موزونة واحدة؟ فقد أقلعت، بعد فراري من بلادي، عن كتابة الشعر الموزون وصرت من الدعاة المتطرفين، فترة قصيرة لحسن الحظ، لما سمي ''النص المفتوح'' قبل أن أكتشف تهافته وتهافت كاتبيه.
لم تقتنع زوجتي، التي حافظت على رباطة جأشها، بالحجج التي سقتها، بالبراهين التي رحتُ أبسطها: أولا عن عدم وجود توقيع على الرسالة، ثانيا: عن إمكانية تشابه الأسماء والخطوط، ثالثا: أن كتابي ''جاءت التي'' لا يتضمن قصيدة بعنوان ''سيدة المدينة''. ثم لنفترض أن تلك القصيدة لي، لكنها ليست دليلا على أنني كاتب الرسالة، فمن حق الناس أن تقتبس قصيدة حتى لو كانت لشاعر مغمور.
فكّرت زوجتي، وهذا لم تقله لي، لكن الأزواج يتوصلون بعد وقت طويل من العشرة الى معرفة أفكار بعضهم بعضاً حتى وهي تتخلق في الذهن، فكَّرت في احتمال أن تكون الفتاة (السيدة الآن) قد انتقلت للعيش في المدينة الرمادية والحمراء. ثم عرفتُ أن تفكيري كان في محله تماما. فقد أخبرني أحد أصدقائي القدامى في ''الحامية''، أن عفوا عاما صدر عن المحكومين الفارين، وأنني أستطيع العودة متى شئت، فقلت له إنني قرأت ذلك في الصحف، لكنه قبل أن ينهي مكالمته أخبرني، سريعا، أن زوجتي اتصلت بهم، وسألت عن أخبارهم.. ومن جملة ذلك سألت عن الفتاة (السيدة الآن) وأين تقيم.
أسقط في يد زوجتي عندما علمت أن الفتاة (السيدة الآن) لم تغادر البلد قط، وأن لها، في ذلك المكان الذي يسوطه الحر والغبار من كل جانب، ثلاثة أو أربعة أبناء. قد يخطر ببالكم أن تتساءلوا كيف مضت عطلة نهاية الاسبوع الكئيب ذاك عند أصدقائنا في البلدة الريفية الخضراء. سأقول إنها مضت بالتي هي أحسن، كما يقولون. طبعا، بعد ذلك لاحظت أن أوراقي المكوَّمة على طاولة مكتبي لم تعد بالنظام الذي كانت عليه، وأن جيوب ثيابي مقلوبة دائما، وأن أذنا باتساع صحن فضائي لاقط تسترق السمع إلي عندما أكلم أحدا (خصوصا بلغتنا) على الهاتف.
لا يمكن للمرء أن يكون سيئ الحظ دائما، فهذا ضد طبيعة الأشياء. حتى الشخص الذي يسمونه ''شرارة''، وهو نموذج للتطير وسوء الحظ، قد صادف حظا حسنا بعض المرات. ومن محاسن الصدف أننا كنا، زوجتي وأنا، نستمع الى محطة اذاعية رصينة (ونحن نشترك معا بعلاقة وطيدة مع الراديو ونعدّه بعد الكتاب، صديقا وفيا للحظات الضجر)، فكان هناك برنامج يتحدث عن كيف يمكن للأوراق، الكتب، الساعات، الأقلام التي تخلص منها المرء، أو فقدها، في لحظة معينة، أن تعود إليه.
جاء موضوع البرنامج على الوجع، فقد تخوّفتُ منه الى درجة حاولتُ تغيير المحطة. كنت أخشى أن تعزز اكتشافاته شهادات الاثبات ضدي. لكن زوجتي التي حدست فكرتي، أصرت على أن نستمع اليه حتى النهاية. كان المذيع يستضيف سيدة عجوزا. قال المذيع للسيدة العجوز (ويبدو أنه أراها شيئا ما سمعنا خشخشته التي تشبه احتكاك أوراق): ''هل هذا خط يدك؟''. استغرق الأمر بعض الوقت حتى قالت العجوز: ''نعم، إنه خطي''. فقال المذيع: ''إنني أعرض عليك صفحات، لا على التعيين، ولكن هل يمكن لك أن تتذكري متى وأين كتبت هذه الصفحات؟''.
ساد صمت مرة أخرى. ثم قالت السيدة العجوز بما يشبه الشهقة: ''يا الله.. هذا أمر قديم. قديم. مضى عليه، ربما، نصف قرن!''.
عرفنا من الحديث الذي دار بين المذيع والسيدة العجوز أن الصفحات التي عرضها عليها مقتطعة من دفتر يوميات كتبتها عندما كانت على علاقة غرامية بأحد رجال المقاومة في بلد مجاور لبلدها خضع، ذات يوم، لاحتلال شرس. كانت شابة في العشرينيات من عمرها، فتنت بالقائد الميداني للمدينة التي كانت تدرس فيها. لم تغادر المدينة، بعد وقوعها في براثن الاحتلال، اسوة بطلاب أجانب كانوا يدرسون هناك، وبقيت الى جانب الرجل المقاوم. ولكن العواطف التي تنشأ في مثل هذه الحالات لا تبقى، كما يبدو، على حالها. اندحر الاحتلال عن ذلك البلد وأصبح القائد الميداني رجل مجتمع شهيرا بعد ذيوع بطولاته في مواجهة الاحتلال.
عادت الشابة الى بلادها لترتيب أمر انتقالها للعيش نهائيا معه، لكن المقاوم، الذي أصبح رجل مجتمع شهيرا، بعث إليها رسالة بعد وقت قصير من عودتها لبلادها، يخبرها أنه له، الآن، علاقة بفتاة أخرى: ''آسف. علاقتنا كانت أقرب الى التضامن الانساني والسياسي منها إلى الحبِّ''. هكذا قال. كان وقع الرسالة شديدا عليها بحيث عمدت إلى تمزيق دفتر يومياتها نصفين ورمته في سلة المهملات.
لم نعرف الآلام التي عصفت بقلبها الشاب. فهي لم تتحدث عن ذلك، ولا أظن أنه بقي منها شيء بعد خمسين سنة على اندمال الجرح، لكننا عرفنا كيف عادت إليها الذكرى. إنه دفتر اليوميات هذا الذي عثر عليه معدو البرنامج الذين يستيعدون لحظات منسية أو مفقودة، قد لا تكون مرغوبة، الى أصحابها.
في أسواق الأغراض المستعملة، الشائعة في تلك البلاد، يرى مرتادوها، مثلي، مقتنيات شخصية، كالصور والرسائل ودفاتر اليوميات وأوسمة الحروب الكونية، تثير الاستغراب، في الأقل، استغراب واحد مثلي يعتقد أن هذه المقتنيات شخصية وحميمة ولا يجدر بها أن تنتهي الى هذا الحد من الانتهاك والمهانة. في سوق كهذه عثر معدو البرنامج على دفتر يوميات السيدة العجوز، واهتدوا إليها من العنوان السكني المكتوب على صفحة غلافه الداخلي. وهذا ليس عجيبا. فالناس، هناك، يمكن أن تولد وتموت في بيت لا يتغير عنوانه، وفي حي لا تتغير شوارعه الطويلة التي تصطف البيوت على جانبيه. حتى الأشجار لا تقلع أو تتبدل إلاَّ عندما تهوي بها عاصفة أو تنخرها حشرات قاتلة، يقولون إن بعضها قادم مع سفن المهاجرين.
قال مذيع البرنامج في ختام حلقته لصاحبة اليوميات المستعادة من وهدة النسيان: ''ماذا ستفعلين بهذا الدفتر؟''.
فردت السيدة العجوز بنبرة ساخرة تميز طبع أهل بلادها: ''سأقرأها.. وسألقيها، على الأغلب، في سلة المهملات ثانية!''.
لم يكن هناك وجه شبه بين ''رسالتي'' التي عثرت عليها زوجتي وبين دفتر يوميات السيدة العجوز. لكن الحكاية كان لها مفعول السحرعليها. فلم تعد إلى ذكر الرسالة مرة أخرى.