اميرالغالى
10-31-2008, 06:00 PM
منبر الجمعة
في كل يوم جمعة درس إن شاء الله
الجمعة : 2ذي القعدة/1429 هـ الموافق 31/10/2008 ف
احفظ الله يحفظك
الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته ، والحمد لله الذي ذل كل شيء لعزته ، والحمد لله الذي خضع كل شيء لملكه ، والحمد لله الذي استسلم كل شيء لقدرته .
ونصلي ونسلم على سيدنا محمد النبي القدوة ، والأسوة الحسنة ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد ....
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : " كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال : ( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) . رواه الترمذي وقال :" حديث حسن صحيح ".
وفي رواية الإمام أحمد : ( احفظ الله تجده أَمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك فـي الشدة ، واعلم أَن ما أَخطأَك لم يكن ليصيبك ، وما أَصابك لم يكن ليخطئك ، واعلم أَن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسرِ يسرا ) .
هذا الحديث الشريف درس في تعلم الاعتماد على الله في كل شيء .. لأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وهو الرازق وهو المنعم وهو المميت بيده كل شيء .. وهو رب كل شيء .
(( قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 00 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ))
(( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 00 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ))
(( قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 00 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ))
وإبن عباس رضي الله عنهما تلقى هذا الدرس وهو في ريعان الشباب وفهمه وأتقنه واتخذه منهجا وأسلوبا وسلوكا في التعامل من الناس .. وصار طيلة حياته .. وفي كل عمل يقوم به يضع هذا الحديث وهذا التوجيه النبوي الشريف أمام عينيه ليستمد منه القوة والمنعة والهيبة والحياة في معية الله جلا وعلا ، والعيش في كنفه ورعايته
وأولى الوصايا التي احتواها هذا الحديث ، قوله صلى الله عليه وسلم : ( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ) إنها وصية جامعة ترشد المؤمن بأن يراعي حقوق الله تعالى ، ويلتزم بأوامره ، ويقف عند حدود الشرع فلا يتعداه ، ويمنع جوارحه من استخدامها في غير ما خلقت له ، فإذا قام بذلك كان الجزاء من جنس العمل ، مصداقا لما أخبرنا الله تعالى في كتابه حيث قال : ** وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ** ( البقرة : 40 ) ، وقال أيضا : ** فاذكروني أذكركم ** ( البقرة : 152 ) .
وهذا الحفظ الذي وعد الله به من اتقاه يقع على نوعين :
الأول : حفظ الله سبحانه وتعالى لعبده في دنياه ، فيحفظه في بدنه وماله وأهله ، ويوكّل له من الملائكة من يتولون حفظه ورعايته ، كما قال تعالى : ** له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ** ( الرعد : 11 ) أي : بأمره ، وهو عين ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم كل صباح ومساء : ( اللهم إني أسألك العفو والعافية ، في ديني ودنياي وآخرتي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) رواه أبو داوود و ابن ماجة ، وبهذا الحفظ أنقذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام من النار ، وأخرج يوسف عليه السلام من الجبّ ، وحمى موسى عليه السلام من الغرق وهو رضيع ، وتتسع حدود هذا الحفظ لتشمل حفظ المرء في ذريّته بعد موته ، كما قال سعيد بن المسيب لولده : " لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أُحفظ فيك " ، وتلا قوله تعالى : ** وكان أبوهما صالحا ** ( الكهف : 82 ) .
الثاني : حفظ الله للعبد في دينه ، فيحميه من مضلات الفتن ، وأمواج الشهوات ، ولعل خير ما نستحضره في هذا المقام : حفظ الله تعالى لدين يوسف عليه السلام ، على الرغم من الفتنة العظيمة التي أحاطت به وكادت له ، يقول الله تعالى في ذلك : ** كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ** ( يوسف : 24 ) ، وتستمر هذه الرعاية للعبد حتى يلقى ربّه مؤمنا موحدا .
ولكن الفوز بهذا الموعود العظيم يتطلب من المسلم إقبالا حقيقيا على الدين ، واجتهادا في التقرب إلى الله عز وجل ، ودوام الاتصال به في الخلوات ، وهذا هو المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الثانية لهذا الحديث : ( تعرّف إلى الله في الرخاء ، يعرِفك فـي الشدة ) ، فمن اتقى ربه حال الرخاء ، وقاه الله حال الشدّة والبلاء .
ثم انتقل الحديث إلى جانب مهم من جوانب العقيدة ، ويتمثّل ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : ( إذا سأَلت فاسأَل الله ) ، وسؤال الله تعالى والتوجه إليه بالدعاء من أبرز مظاهر العبوديّة والافتقار إليه ، بل هو العبادة كلها كما جاء في الحديث : ( الدعاء هو العبادة ) ، وقد أثنى الله على عباده المؤمنين في كتابه العزيز فقال : ** إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ** ( الأنبياء : 90 ).
وإن من تمام هذه العبادة ترك سؤال الناس ، فإن في سؤالهم تذلل لهم ومهانة للنفس ، ولا يسلم سؤالهم من منّة أو جرح للمشاعر ، أو نيل من الكرامة ، كما قال طاووس لعطاء رحمهما الله : " إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ، وجعل دونك حجابه ، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ، ووعدك أن يجيبك " ، وصدق أبو العتاهية إذ قال :
لا تسألن بني آدم حاجـة وسل الذي أبوابه لا تُحجب
فاجعل سؤالك للإله فإنمـا في فضل نعمة ربنـا تتقلب
وقد أثنى الله على عباده المتعففين فقال : ** للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ** ( البقرة : 273 ) ، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم رهطا من أصحابه على ترك سؤال الناس ، وكان منهم أبوبكر الصديق و أبو ذر الغفاري و ثوبان رضي الله عنهم أجمعين ، فامتثلوا لذلك جميعا ، حتى إن أحدهم إذا سقط منه سوطه أو خطام ناقته لا يسأل أحدا أن يأتي به .
إن ما سبق ذكره من الثناء على المتعفّفين إنما هو متوجه لمن تعفّف عن سؤال الناس فيما يقدرون عليه ، وما يملكون فعله ، أما ما يفعله بعض الجهلة من اللجوء إلى الأولياء والصالحين الأحياء منهم أو الأموات ، ليسألونهم ويطلبون منهم أعمالاً خارجةً عن نطاق قدرتهم ، فهذا صرفٌ للعبادة لغير الله عز وجل ، وبالتالي فهو داخل تحت طائلة الشرك .
وفي قوله : ( وإذا استعنت فاستعن بالله ) أمر بطلب العون من الله تعالى دون غيره ، لأن العبد من شأنه الحاجة إلى من يعينه في أمور معاشه ومعاده ، ومصالح دنياه وآخرته ، وليس يقدر على ذلك إلا الحي القيوم ، الذي بيده خزائن السموات والأرض ، فمن أعانه الله فلا خاذل له ، ومن خذله الله فلن تجد له معينا ونصيرا ، قال تعالى : ** إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ** ( آل عمران : 160 ) ، ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول : ( اللهم أعني ولا تعن علي) ، وأمر معاذا رضي الله عنه ، ألا يدع في دبر كل صلاة أن يقول ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) رواه النسائي وأبو داود .
وإذا قويت استعانة العبد بربّه ، فإن من شأنها أن تعمّق إيمانه بقضاء الله وقدره ، والاعتماد عليه في كل شؤونه وأحواله ، وعندها لا يبالي بما يكيد له أعداؤه ، ويوقن أن الخلق كلهم لن ينفعوه بشيء لم يكتبه الله له ، ولن يستطيعوا أن يضرّوه بشيء لم يُقدّر عليه ، ولم يُكتب في علم الله ، كما قال سبحانه : ** ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ** ( الحديد : 22 ) .
ولما وعى سلفنا الصالح هذه الوصية ، أورثهم ذلك ثباتا في العزيمة ، وتفانيا في نشر هذا الدين ، غير مبالين بالصعوبات التي تواجههم ، والآلام التي تعتريهم ، لأنهم علموا أن طريق التمكين إنما يكون بالعمل بهذه الوصية النبوية ، وأن الفرج يأتي من بعد الكرب ، وأن العسر يعقبه اليسر ، وهذا هو الطريق الذي سلكه أنبياء الله جميعا عليهم السلام ، فما كُتب النصر ل نوح عليه السلام ، إلا بعد سلسلة طويلة من الجهاد مع قومه ، والصبر على أذاهم ، وما أنجى الله نبيه يونس عليه السلام من بطن الحوت ، إلا بعد معاناة طويلة عاشها مستغفرا لربّه ، راجيا فرجه ، معتمدا عليه في كل شؤونه ، حتى انكشفت غمّته ، وأنقذه من بلائه ومحنته ، وهكذا يكون النصر مرهونا بالصبر على البلاء والامتحان .
إننا نستوحي من هذا الحديث معالم مهمة ، ووصايا عظيمة ، من عمل بها ، كتبت له النجاة ، واستنارت له عتبات الطريق ، فما أحوجنا إلى أن نتبصّر كلام نبينا صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته ، ونستلهم منها الحلول الناجعة لمشكلات الحياة ، ونجعلها السبيل الأوحد للنهضة بالأمة نحو واجباتها .
وإبن عباس رضي الله عنهما . كما حظي بهذا الدرس النبوي واستفاد منه في حياته ، كما استفاد منه المسلمون من بعده على مر العصور ومن طبقه منهم في حياته لم يخشى شيئا أو أحدا إلا الله سبحانه وتعالى ..
فقد حظي عبدالله إبن عباس بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعظم دعاء يتمناه كل مؤمن ومسلم أحب الله ورسوله .. فلقد دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يفقهه في الدين واستجاب الله لهذا الدعاء فصار عبدالله إبن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وصار مرجعا في علم الفقه والتفسير رضي الله عنه ..
وقصة هذا الدعاء إن إبن عباس حضر يوما إلى المسجد وسأل عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقيل له إنه يقضي حاجته في الخلاء ، فقام إبن عباس وأعد له إبريق الماء لكي يتوضأ منه ، وعندما خرج الرسول سأل عن من أعد الإبريق فقال له الصحابة أعده عبدالله بن عباس ، فرفع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ودعا له ( اللهم فقهه في الدين ) .
وصار إبن عباس قمة في العلم والأخلاق تفيض نفسه المؤمنة الصافية بمشاعر الحب لإخوانه ومما يحكى عن إبن عباس إنه كان يقول ..
ما قرأت آية من كتاب الله إلا تمنيت لإخواني أن يعلموا منها مثل ما علمت .
ولا سمعت بإمام أو قاضي عادل إلا فرحت بذلك رغم إنه لم تكون لي عنده قضية أو حاجة .
وما سمعت ببلد نزل به مطر إلا فرحت بها رغم إنه ليس لي بها زرع ولا ضرع ..
إنها نقس إبن عباس المؤمنة النقية الصافية التي نهلت من نبع الإسلام الصافي وتربت في مدرسة النبوة وتشبعت بالمعاني السامية للقرآن الكريم ففاضت عليها حبا وعواطف نبيلة تحب الخير للجميع وفي كل مكان وتفرح لهذا الخير أينما هبط وأينما حل .. إنه حبا متجردا لله لا تبغي من وراءه هذه النفس منفعة ولا مصلحة .. كما عبر إبن عباس عن ذلك ..
أيها الأخوة ما أحرانا إلى قراءة هذا الحديث القاعدة والمنهج مرات ومرات ونتفهم معناه وتتشبع نفوسنا بهذه المعاني حتى تصبح سجية من سجاياها وعادة محكمة من عاداتها عندها ستكون مثل نفس إبن عباس رضي الله عنه تماما ..
جعلنا الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك هم الراشدون
في كل يوم جمعة درس إن شاء الله
الجمعة : 2ذي القعدة/1429 هـ الموافق 31/10/2008 ف
احفظ الله يحفظك
الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته ، والحمد لله الذي ذل كل شيء لعزته ، والحمد لله الذي خضع كل شيء لملكه ، والحمد لله الذي استسلم كل شيء لقدرته .
ونصلي ونسلم على سيدنا محمد النبي القدوة ، والأسوة الحسنة ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد ....
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : " كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال : ( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) . رواه الترمذي وقال :" حديث حسن صحيح ".
وفي رواية الإمام أحمد : ( احفظ الله تجده أَمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك فـي الشدة ، واعلم أَن ما أَخطأَك لم يكن ليصيبك ، وما أَصابك لم يكن ليخطئك ، واعلم أَن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسرِ يسرا ) .
هذا الحديث الشريف درس في تعلم الاعتماد على الله في كل شيء .. لأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وهو الرازق وهو المنعم وهو المميت بيده كل شيء .. وهو رب كل شيء .
(( قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 00 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ))
(( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 00 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ))
(( قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 00 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ))
وإبن عباس رضي الله عنهما تلقى هذا الدرس وهو في ريعان الشباب وفهمه وأتقنه واتخذه منهجا وأسلوبا وسلوكا في التعامل من الناس .. وصار طيلة حياته .. وفي كل عمل يقوم به يضع هذا الحديث وهذا التوجيه النبوي الشريف أمام عينيه ليستمد منه القوة والمنعة والهيبة والحياة في معية الله جلا وعلا ، والعيش في كنفه ورعايته
وأولى الوصايا التي احتواها هذا الحديث ، قوله صلى الله عليه وسلم : ( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ) إنها وصية جامعة ترشد المؤمن بأن يراعي حقوق الله تعالى ، ويلتزم بأوامره ، ويقف عند حدود الشرع فلا يتعداه ، ويمنع جوارحه من استخدامها في غير ما خلقت له ، فإذا قام بذلك كان الجزاء من جنس العمل ، مصداقا لما أخبرنا الله تعالى في كتابه حيث قال : ** وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ** ( البقرة : 40 ) ، وقال أيضا : ** فاذكروني أذكركم ** ( البقرة : 152 ) .
وهذا الحفظ الذي وعد الله به من اتقاه يقع على نوعين :
الأول : حفظ الله سبحانه وتعالى لعبده في دنياه ، فيحفظه في بدنه وماله وأهله ، ويوكّل له من الملائكة من يتولون حفظه ورعايته ، كما قال تعالى : ** له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ** ( الرعد : 11 ) أي : بأمره ، وهو عين ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم كل صباح ومساء : ( اللهم إني أسألك العفو والعافية ، في ديني ودنياي وآخرتي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) رواه أبو داوود و ابن ماجة ، وبهذا الحفظ أنقذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام من النار ، وأخرج يوسف عليه السلام من الجبّ ، وحمى موسى عليه السلام من الغرق وهو رضيع ، وتتسع حدود هذا الحفظ لتشمل حفظ المرء في ذريّته بعد موته ، كما قال سعيد بن المسيب لولده : " لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أُحفظ فيك " ، وتلا قوله تعالى : ** وكان أبوهما صالحا ** ( الكهف : 82 ) .
الثاني : حفظ الله للعبد في دينه ، فيحميه من مضلات الفتن ، وأمواج الشهوات ، ولعل خير ما نستحضره في هذا المقام : حفظ الله تعالى لدين يوسف عليه السلام ، على الرغم من الفتنة العظيمة التي أحاطت به وكادت له ، يقول الله تعالى في ذلك : ** كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ** ( يوسف : 24 ) ، وتستمر هذه الرعاية للعبد حتى يلقى ربّه مؤمنا موحدا .
ولكن الفوز بهذا الموعود العظيم يتطلب من المسلم إقبالا حقيقيا على الدين ، واجتهادا في التقرب إلى الله عز وجل ، ودوام الاتصال به في الخلوات ، وهذا هو المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الثانية لهذا الحديث : ( تعرّف إلى الله في الرخاء ، يعرِفك فـي الشدة ) ، فمن اتقى ربه حال الرخاء ، وقاه الله حال الشدّة والبلاء .
ثم انتقل الحديث إلى جانب مهم من جوانب العقيدة ، ويتمثّل ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : ( إذا سأَلت فاسأَل الله ) ، وسؤال الله تعالى والتوجه إليه بالدعاء من أبرز مظاهر العبوديّة والافتقار إليه ، بل هو العبادة كلها كما جاء في الحديث : ( الدعاء هو العبادة ) ، وقد أثنى الله على عباده المؤمنين في كتابه العزيز فقال : ** إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ** ( الأنبياء : 90 ).
وإن من تمام هذه العبادة ترك سؤال الناس ، فإن في سؤالهم تذلل لهم ومهانة للنفس ، ولا يسلم سؤالهم من منّة أو جرح للمشاعر ، أو نيل من الكرامة ، كما قال طاووس لعطاء رحمهما الله : " إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ، وجعل دونك حجابه ، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ، ووعدك أن يجيبك " ، وصدق أبو العتاهية إذ قال :
لا تسألن بني آدم حاجـة وسل الذي أبوابه لا تُحجب
فاجعل سؤالك للإله فإنمـا في فضل نعمة ربنـا تتقلب
وقد أثنى الله على عباده المتعففين فقال : ** للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ** ( البقرة : 273 ) ، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم رهطا من أصحابه على ترك سؤال الناس ، وكان منهم أبوبكر الصديق و أبو ذر الغفاري و ثوبان رضي الله عنهم أجمعين ، فامتثلوا لذلك جميعا ، حتى إن أحدهم إذا سقط منه سوطه أو خطام ناقته لا يسأل أحدا أن يأتي به .
إن ما سبق ذكره من الثناء على المتعفّفين إنما هو متوجه لمن تعفّف عن سؤال الناس فيما يقدرون عليه ، وما يملكون فعله ، أما ما يفعله بعض الجهلة من اللجوء إلى الأولياء والصالحين الأحياء منهم أو الأموات ، ليسألونهم ويطلبون منهم أعمالاً خارجةً عن نطاق قدرتهم ، فهذا صرفٌ للعبادة لغير الله عز وجل ، وبالتالي فهو داخل تحت طائلة الشرك .
وفي قوله : ( وإذا استعنت فاستعن بالله ) أمر بطلب العون من الله تعالى دون غيره ، لأن العبد من شأنه الحاجة إلى من يعينه في أمور معاشه ومعاده ، ومصالح دنياه وآخرته ، وليس يقدر على ذلك إلا الحي القيوم ، الذي بيده خزائن السموات والأرض ، فمن أعانه الله فلا خاذل له ، ومن خذله الله فلن تجد له معينا ونصيرا ، قال تعالى : ** إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ** ( آل عمران : 160 ) ، ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول : ( اللهم أعني ولا تعن علي) ، وأمر معاذا رضي الله عنه ، ألا يدع في دبر كل صلاة أن يقول ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) رواه النسائي وأبو داود .
وإذا قويت استعانة العبد بربّه ، فإن من شأنها أن تعمّق إيمانه بقضاء الله وقدره ، والاعتماد عليه في كل شؤونه وأحواله ، وعندها لا يبالي بما يكيد له أعداؤه ، ويوقن أن الخلق كلهم لن ينفعوه بشيء لم يكتبه الله له ، ولن يستطيعوا أن يضرّوه بشيء لم يُقدّر عليه ، ولم يُكتب في علم الله ، كما قال سبحانه : ** ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ** ( الحديد : 22 ) .
ولما وعى سلفنا الصالح هذه الوصية ، أورثهم ذلك ثباتا في العزيمة ، وتفانيا في نشر هذا الدين ، غير مبالين بالصعوبات التي تواجههم ، والآلام التي تعتريهم ، لأنهم علموا أن طريق التمكين إنما يكون بالعمل بهذه الوصية النبوية ، وأن الفرج يأتي من بعد الكرب ، وأن العسر يعقبه اليسر ، وهذا هو الطريق الذي سلكه أنبياء الله جميعا عليهم السلام ، فما كُتب النصر ل نوح عليه السلام ، إلا بعد سلسلة طويلة من الجهاد مع قومه ، والصبر على أذاهم ، وما أنجى الله نبيه يونس عليه السلام من بطن الحوت ، إلا بعد معاناة طويلة عاشها مستغفرا لربّه ، راجيا فرجه ، معتمدا عليه في كل شؤونه ، حتى انكشفت غمّته ، وأنقذه من بلائه ومحنته ، وهكذا يكون النصر مرهونا بالصبر على البلاء والامتحان .
إننا نستوحي من هذا الحديث معالم مهمة ، ووصايا عظيمة ، من عمل بها ، كتبت له النجاة ، واستنارت له عتبات الطريق ، فما أحوجنا إلى أن نتبصّر كلام نبينا صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته ، ونستلهم منها الحلول الناجعة لمشكلات الحياة ، ونجعلها السبيل الأوحد للنهضة بالأمة نحو واجباتها .
وإبن عباس رضي الله عنهما . كما حظي بهذا الدرس النبوي واستفاد منه في حياته ، كما استفاد منه المسلمون من بعده على مر العصور ومن طبقه منهم في حياته لم يخشى شيئا أو أحدا إلا الله سبحانه وتعالى ..
فقد حظي عبدالله إبن عباس بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعظم دعاء يتمناه كل مؤمن ومسلم أحب الله ورسوله .. فلقد دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يفقهه في الدين واستجاب الله لهذا الدعاء فصار عبدالله إبن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وصار مرجعا في علم الفقه والتفسير رضي الله عنه ..
وقصة هذا الدعاء إن إبن عباس حضر يوما إلى المسجد وسأل عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقيل له إنه يقضي حاجته في الخلاء ، فقام إبن عباس وأعد له إبريق الماء لكي يتوضأ منه ، وعندما خرج الرسول سأل عن من أعد الإبريق فقال له الصحابة أعده عبدالله بن عباس ، فرفع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ودعا له ( اللهم فقهه في الدين ) .
وصار إبن عباس قمة في العلم والأخلاق تفيض نفسه المؤمنة الصافية بمشاعر الحب لإخوانه ومما يحكى عن إبن عباس إنه كان يقول ..
ما قرأت آية من كتاب الله إلا تمنيت لإخواني أن يعلموا منها مثل ما علمت .
ولا سمعت بإمام أو قاضي عادل إلا فرحت بذلك رغم إنه لم تكون لي عنده قضية أو حاجة .
وما سمعت ببلد نزل به مطر إلا فرحت بها رغم إنه ليس لي بها زرع ولا ضرع ..
إنها نقس إبن عباس المؤمنة النقية الصافية التي نهلت من نبع الإسلام الصافي وتربت في مدرسة النبوة وتشبعت بالمعاني السامية للقرآن الكريم ففاضت عليها حبا وعواطف نبيلة تحب الخير للجميع وفي كل مكان وتفرح لهذا الخير أينما هبط وأينما حل .. إنه حبا متجردا لله لا تبغي من وراءه هذه النفس منفعة ولا مصلحة .. كما عبر إبن عباس عن ذلك ..
أيها الأخوة ما أحرانا إلى قراءة هذا الحديث القاعدة والمنهج مرات ومرات ونتفهم معناه وتتشبع نفوسنا بهذه المعاني حتى تصبح سجية من سجاياها وعادة محكمة من عاداتها عندها ستكون مثل نفس إبن عباس رضي الله عنه تماما ..
جعلنا الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك هم الراشدون